كانت السيارة تشق الطريق وسط مدن وقرى محافظتي الدقهلية والشرقية في الوقت بين العصر والمغرب وبالكاد نرى الطريق نظرا للسحابة السوداء التي تغطي أجواء مصر في هذا الوقت من السنة على وجه الخصوص بينما نشاهد على الجانبين حرائق قش الأرز في الحقول المترامية , فقد اعتاد الفلاحون أن يقوموا بعملية الحرق عند آخر ضوء في النهار حتى يتفادوا عمليات التفتيش وتحرير المحاضر (هذا إن وجدت أصلا) , وكنا نشعر باختناق شديد كلما تكاثفت سحب الدخان , ثم نفزع من وقت لآخر على ارتطام السيارة بمطبات صناعية متتابعة أنشأها الأهالي أمام قراهم ومدنهم دون أي مواصفات لسلامة الطريق والمركبات بحيث أصبحت تشكل خطرا على الطرق السريعة , وهذه المطبات هي نتاج خطأ منتشر في ربوع مصر ألا وهو بناء القرى والمدن على حافة الطرق السريعة والبطيئة وبالتالي يتعرض كثير من الناس إلى حوادث , يقوم الأهالي عندها بتحطيم السيارة على رأس من فيها ثم يقطعون الطريق لعدة ساعات ويتبع ذلك عمل أكثر من مطب مرتفع يقطع الطريق ولا توجد أي علامات تنبه السائق خاصة في الليل . وبالتوازي مع حرائق قش الأرز المشتعلة في كل مكان (والتي عجزت كل المحاولات في وقفها) كانت معركة النقاب تنذر بالإشتعال , وإجراءات انفلونزا الخنازير المبالغ فيها تشغل الناس عن كل قضاياهم ومشاكلهم .
دموع على أرض الأندلس :
وصلنا مطار القاهرة وأنهينا إجراءات السفر , وبعد خمس ساعات كنا في مطار مدريد ثم بعد ساعة أخرى من الطيران الداخلي كنا في أشبيلية (Civilla)على أرض الأندلس , وكان الجو غاية في الصفاء والنقاء , فالسماء صافية لا تشوبها شائبة , والجو في هذا الوقت (النصف الثاني من شهر أكتوبر 2009) أشبه بجو الإسكندرية في الخريف . لم نشعر بأي إجراءات تخص انفلونزا الخنازير , وهو نفس الوضع في فرنسا وسويسرا (حين زرتهما في الشهور الأخيرة) فهم جميعا يعيشون حياتهم بشكل طبيعي , وهذا يكشف مبالغاتنا في الإهتمام الشكلي بهذا الموضوع ويضع علامات استفهام حول دوافع هذا الإهتمام في حين توجد قضايا ومشكلات أخرى أكثر خطورة وإلحاحا ومع ذلك لا تحظى بأي اهتمام . عدة ساعات انتقلنا فيها من السحابة السوداء إلى السماء الصافية , ومن المطبات العشوائية شديدة الخطورة إلى الطرق السلسة الممهدة بعناية , ومن الصراع حول النقاب إلى العمل لتحقيق حياة أفضل للمواطنين , ومن المظالم وضياع الحقوق إلى العدل والمساواة , ومن التصارع الداخلي وهدم الذات إلى التعبير الإيجابي واحترام الذات . وبدأت من هذه اللحظة تطاردني حالتان إحداهما تاريخية عربية إسلامية والأخرى مصرية معاصرة سأتحدث عن كل منهما بإيجاز :
1 - أما التاريخية فهي ذكريات دولة إسلامية عظيمة وراقية عاشت في هذا المكان حواي 800 سنة (من سنة 711 م إلى سنة 1492 م ) , وشهدت نهايتها تفرق وصراعات بين الطوائف والأمراء (تماما كالتي تحدث الآن في المجتمعات العربية) حتى تفتتت الأندلس بعد أن كانت عروس الخلافة الإسلامية والجسر الذي ربط بين الشرق والغرب .فقد فتح المسلمون بقيادة طارق بن زياد أسبانيا في عام 711 م وانتصروا في معركة وادي لكة على قوات القوط ، ودخلت أغلب أراضي إسبانيا تحت حكم الخلافة الاموية . وأستمر حكم الأمويون في الأندلس لفترة من الزمن تصل إلى حوالي ثمانيه قرون، حتى سقطت دولتهم، وانقسم ملك المسلمين في الأندلس ودخلت إسبانيا عهد ملوك الطوائف والذين خضعوا لاستقطابات منفردة من المعادين لهم حتى تمت تصفيتهم الواحد بعد الآخر (تماما كما يحدث الآن في كثير من الدول العربية) . بدأت حملات حروب الاسترداد بكثافة من قبل مسيحيي أيبيريا ، واعتبروها حروبا صليبيية مقدسة ضد المسلمين. استنجد الأندلسيين بالمرابطين ومن بعدهم بالموحدين لصد الهجمات الصليبية المدعومة من الكنيسة الكاثوليكية. بعد خسارة الموحدين لمعركة العقاب سقطت مدنهم واحدة تلو الأخرى , ولم يبق للمسلمين من الأندلس غير غرناطة وما جاورها.
كان المسلمون يتصارعون ويتفككون بينما الأسبان يتوحدون حيث اندمج تاج أراغون مع تاج كاستيا لتتكون مملكة إسبانيا ، وأصبحت مملكة فالنسيا عضوا في الملكيه الإسبانيه. اتحدت مملكة كاستيا و مملكة ليون مع مملكة أراجون واستطاع الملك فيرناندو والملكة إيزابيلا الاستيلاء على الممالك العربية في الاندلس الواحدة تلو الأخرى إلى أن سقطت في أيديهم غرناطة آخر قواعد المسلمين سنة 1492م .
وتقفز ذكريات محاكم التفتيش الإسبانية والتي تأسست في 1478 م من قبل الملوك الكاثوليك ، كبديل لمحكمة التفتيش البابوية التي كانت سائدة في القرون الوسطى ، ولم يتم إلغاؤها حتى 1834م . وقد تم التأسيس في 1 نوفمبر تشرين الثاني من عام 1478 م بموافقة البابا سيكستوس الرابع.
وفي القرن السادس عشر أصبحت إسبانيا أكبر قوة كاثوليكية في العالم آنذاك . و تم إجبار كل المسلمين واليهود في أسبانياعلى التنصر . وكانت إسبانيا نموذجًا لدولة دينية سلطوية ، فتتحكم وتعين الكنيسة فيها الملوك والأباطرة الذين يحكمون بحاكميه تسمى ظل الله في الأرض أو قانون الحق الإلهي . وللقضاء على ما سموه وقتها بالفساد فقد قامت بتأسيس محاكم تفتيش، واستهدفت من تم إجبارهم على التنصر من المسلمين واليهود , ثم استهدفت الطوائف المسيحية الأخرى وخاصة البروتستانتية وظهرت كلمة الهرطقة، وهى وصف لمن اختلف معهم في الشرح المحدد للنص الإنجيلي من قبل رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية.
وكان القس "توماس دي تركيمادا"، يرأس هيئة التفتيش للبحث عن هؤلاء الهراطقه ، فيقوم بوعظهم وتعذيبهم وقتلهم إن لم يعودوا إلى كنف الكنيسه الكاثوليكيه ، وكان يعدم واحدًا على الأقل من كل عشرة أشخاص يمثلون أمام محكمته , وكان ذلك بأسلوب خجلت منه الكنيسه الكاثوليكيه واعتذرت عنه للعالم . يقول "جوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب" عن محاكم التفتيش: «يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائصنا من قصص التعذيب والاضطهاد التي قام بها المسيحيون المنتصرين على المسلمين المنهزمين ، فلقد عمدوهم عنوة ، و سلموهم لدواوين التفتيش التي أحرقت منهم ما استطاعت من الجموع . و اقترح القس "بليدا" قطع رؤوس كل العرب دون أي استثناء ممن لم يعتنقوا المسيحية بعد، بما في ذلك النساء والأطفال، وهكذا تم قتل أو طرد ثلاثة ملايين عربي» (كان عدد السكان في أسبانيا في ذلك الوقت ثمانية ملايين) . وحاول بعض المسلمين أن يفروا إلى مدن أخرى أو إلى بلاد المغرب العربي , وكان الراهب بيلدا يصنع كمائن لهؤلاء المهاجرين وقد قتل في قافلة واحدة للمهاجرين قرابة مئة ألف شخص أغلبهم من النساء والأطفال وكبار السن . و كان بيلدا قد طالب بقتل جميع العرب في أسبانيا بما فيهم المتنصرين، وحجته أن من المستحيل التفريق بين الصادقين والكاذبين فرأى أن يقتلوا جميعاً بحد السيف، ثم يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى، فيدخل النار من لم يكن صادقاً منهم.
إذن فقد كانت محاكم التفتيش وسيلة ملوك أسبانيا المتعصبين العنصريين لتطهير أسبانيا من المسلمين , وذلك برغم المعاهدة الموقعة بينهم وبين المسلمين عندما سقطت غرناطة –آخر قلاع المسلمين في إسبانيا- سنة (897 هـ \ 1492م). حيث نصت المعاهدة بين أبي عبد الله الصغير (آخر أمراء غرناطه) والملوك الكاثوليك وضمنها البابا وأقسم عليها وكان ضمن بنودها : "تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال , إبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم وإقامة شريعتهم على ما كانت , ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعتهم , وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كما هي , وألا يدخل نصراني دار المسلم ولا يغصبوا أحدا ....وألا يؤخذ أحد بذنب غيره وألا يُكره من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم ولا ينظر نصراني على دور المسلمين , ولا يدخل مسجدا من مساجدهم , ويسير المسلم في بلاد النصارى آمنا في نفسه وماله ... ولا يمنع مؤذن ولا مصلي ولا صائم ولا غيره في أمور دينه" .
تم نقض المعاهدة كلياً بعد فترة قصيرة من توقيعها , وتم حظر اللغة العربية ، وأحرق الكردينال "أكزيمينيس" عشرات الآلاف من كتب المسلمين . يقول "جوستاف لوبون" : "ظن رئيس الأساقفة أكزيمينيس أنه بحرقه ما قدر على جمعه من كتب أعدائه العرب (أي ثمانين ألف كتاب) محا ذكراهم من الأندلس إلى الأبد. فما دَرَى أن ما تركه العرب من الأثار التى تملأ بلاد إسبانية يكفي لتخليد إسمهم إلى الأبد". وفي عام 1500 م أجبر المسلمون في غرناطة على تسليم أكثر من 15 مليون كتاب تتميز بتجليدات زخرفية لا تقدر بثمن ، فقد تمّ حرقها وبقي منها بعض الكتب الطبية فقط .
وبقيت لدى الأسبان حساسية شديدة تجاه أي مظاهر للحياة العربية أو الإسلامية فمثلا كانت هناك محظورات كثيرة منها: حظر الختان، وحظر الوقوف تجاه القبلة ، وحظر الاستحمام والاغتسال ، وحظر ارتداء الملابس العربية. فإذا عُلم أن أحداً اغتسل يوم الجمعة يصدر في حقه حكم بالموت ، وإذا وجدوا رجلا لابساً للزينة يوم العيد عرفوا أنه مسلم فيصدر في حقه الإعدام . وكذلك لو وجدوا في بيته مصحفا ، أو امتنع عن الطعام في رمضان ، أو امتنع عن شرب الخمر وأكل الخنزير. وكانوا يكشفون عورة من يشكون أنه مسلم ، فإذا وجدوه مختونًا أو كان أحد عائلته كذلك فليعلم أنه الموت نهايته هو وأسرته. وتعتبر المحكمة الكاثوليكية والرأي العام أن تصرفات مثل تناول "الكوسكسي" (نوع من الحلوى العربية أو التركية) ، واستخدام الحناء عادات غير مسيحية ، يجب معاقبة فاعلها. وأصدر الملك "شارل كانت" قراراً أن كل شخص يطمح لشغل وضيفة في أسبانيا عليه إثبات عدم وجود أي عضو مسلم في عائلنه منذ أربعة أجيال على الأقل.
ولكن حتى هذه الإجراءات الوحشية لم تنجح كليا في حل المشكلة الإسلامية في اسبانيا فكان اللجوء إلى الطرد الجماعي في القرن السابع عشر، أما الخسائر التي ستترتب عن الطرد فتم تعويضها بشكل كبير بالأرباح الناتجة عن مصادرة أملاك المسلمين , حيث أصدر الملك فيليب الثالث قراراً بطرد مئات الآلاف من المسلمين بعد أن اقتنع بفشل محاكم التفتيش في إجبار المسلمين على ترك دينهم ، على أن يبقى الأطفال الذين كانت أعمارهم بين العاشرة أو أقل في إسبانيا ليقوم الرهبان أو أي أشخاص آخرين موثوق بهم بتعليمهم مع إبقائهم عبيداً بغير زواج . فما بين عامي 1609م -1614 م تم طرد ما لا يقل عن 500 ألف شخص إلى البلدان الإسلامية المجاورة كالمغرب وتونس والجزائر بل وبعض البلدان المسيحية الأخرى، بعد نهب ومصادرة ثرواتهم وأملاكهم . وقد تمت إبادة كثير منهم أثناء هذا الترحيل حيث تلقيهم السفن بالبحر ليموتوا غرقاً. وقد أشار "هنري تشارلز لي" بعد دراسة المصادر المعاصرة أن نسبة وفاة المسلمين تقع ما بين ثلثي و ثلاثة أرباع مجموع عددهم .
هذه الذكريات التاريخية المؤلمة أذكرها هنا لثلاثة أسباب : الأول أن المرشدين السياحيين لم يكونوا يقتربوا من هذا التاريخ أبدا بل يتحدثون عمن قاموا بقتل المسلمين وطردهم بهذه الوحشية على أنهم أبطال وقديسين , الثاني : أن هذه الذكريات كانت تستيقظ في وعيي طوال الرحلة كلما مررنا بمكان يتصل بهذه الأحداث المأساوية الدامية , الثالث : أن هذا السيناريو مرشح للتكرار على أيدي المتعصبين ضد الإسلام والمسلمين في أماكن كثيرة من العالم تحت دعوى محاربة الإرهاب .
2 - وتتناوب هذه الحالة التاريخية مع حالة مصرية حين تحتد المقارنة بين أحوالنا وأحوالهم فقد تركت مصر منذ عدة ساعات وهي متلحفة بسحابة سوداء كثيفة تشقها طرق غير منظمة وغير آمنة ويعيش أهلها في ضنك من العيش مع تدهور واضح في التعليم والصحة والممارسة السياسية والإعلامية والأخطر من ذلك التدهور القيمي الذي عكسه تقرير وزارة التنمية الإدارية والذي أظهر أن 33% من المصريين لا يرون في الرشوة مشكلة , وأن 55% لا يرون الكذب عيبا , وأن 49% لا يثقون في الحكومة . قد يتهمني كثيرون بالتشاؤم والمبالغة وتضخيم المشكلات والأخطاء في وطني , ولكنني أسافر كثيرا في المكان وفي الزمان , ويحزنني أن أرى وطني بلا حلم وبلا خيال وبلا رؤية وبلا هدف واضح وبلا استراتيجية حقيقية ... حين أمشي في شارع نظيف في أي من بلاد العالم أتحسر على شوارعنا المتهالكة المليئة بالحفر والمطبات والقمامة ... وحين أسير على طريق مرصوف رصفا جيدا ومزود بكل وسائل وعلامات الأمن والسلامة أتحسر على طرقنا المليئة بمخاطر الموت والتي يموت عليها كل عام ثمانية آلاف ويصاب أكثر من خمسة وتسعون ألفا ... وحين أجد انضباطا مروريا في بلد ما أحزن على ما نعانيه من اختناقات واضطرابات مرورية ... وحين أجد نظام تعليم متميز في كثير من بلاد الدنيا أشعر بانقباض شديد وأنا أرى أحوال التعليم المتدهور في بلادي ... وحين أرى البحث العلمي الجاد والصاعد في الدول المحترمة أجد غصة في حلقي مما أعلمه من تردي البحث العلمي وفقر إمكاناته وانعدام الإهتمام به في وطني . إذن لم يستطع جمال المكان وصفاء الجو واعتداله في بلاد الأندلس أن يحميني من المقارنات المؤلمة بين ما يحدث على أرض أسبانيا وما يحدث في مصر , وهنا فاضت دموعي ليس على ضياع الأندلس هذه المرة ولكن على ضياع مصر . وربما يكون هذا بسبب يقيني بأن مصر بلد عظيم ولكن أهلها الحاليون ليسوا على مستوى هذه العظمة , وأن تاريخها ملئ بالمفاخر ولكن حاضرها ليس بالضرورة كذلك ... صحيح هي علمت الدنيا الضمير والحضارة والجمال , ولكنها نموذج لأشياء عكس ذلك في هذا الزمن .. هي ليست نزعة تشاؤمية ولكنها محاولة للإحتفاظ برؤية صادقة للذات من خارج عتبتها أملا في الوصول إلى لحظة التغيير , ولكن أكثر ما يخيفني هو أن نستمر في نقد الذات أو جلدها بلا تغيير حقيقي وهذا يؤدي في النهاية إلى سلوكيات هدم الذات , وأكاد أرى علامات لهذا وذاك الآن , فنحن لم نعد نثق بأنفسنا ولم نعد نثق ببعضنا . أحب مصر بقدر غضبي من المصريين الحاليين وحزني عليهم فنحن المصريون لسنا جديرين بمصر .
كيف نهضت أسبانيا من كبوتها:
عاشت أسبانيا فترة حرب أهلية طاحنة انتهت عام 1939 م ومنذ ذلك الحين حكمها الجنرال"فرانكو" حكما عسكريا استبداديا شموليا , وظل متشبثا بالسلطة حتى ضاق الناس به وملوا وجوده إلى أن مات عام 1975 م , وفي فترة حكمه عانت أسبانيا من الإستبداد والفقر والتخلف والفساد الإداري والإجتماعي بكل ألوانه , وكان الناس قد يئسوا من الخلاص منه ويئسوا بالتالي من انصلاح أحوالهم وعاشوا سنوات طويلة من القهر .
وفي عام 1978 م (أي بعد ثلاث سنوات من موت الدكتاتور المستبد) تم التحول الديموقراطي حيث وضع دستورا جديدا أصبحت إسبانيا بموجبه دولة قانون اجتماعية وديمقراطية تحت نظام ملكي برلماني . والملك منصبه فخري , ورئيس الوزراء هو الحاكم الفعلي للبلاد. البرلمان الإسباني (Cortes Generales) مقسم إلى مجلسين واحد للأعيان (Senado) وعدد أعضاءه يبلغ 259 عينا وآخر للنواب (Congreso de los Diputados) وعدد أعضاءه يبلغ 350 نائبا. ينتخب الأخير مباشرة من الشعب كل 4 سنوات، بينما يعين 51 عضو من مجلس الأعيان و ينتخب الباقون من الشعب أيضاً. رئيس الوزراء والوزراء يتم تعيينهم من قبل البرلمان اعتماداً على نتائج الانتخابات النيابية. أهم الأحزاب الإسبانية:
1. حزب الشعب (PP)
2. حزب العمال الاشتراكي الأسباني (PSOE)
3. اتحاد اليسار (IU)
4. التحالف الديمقراطي لكاتالونيا (CiU)
5. الحزب الوطني الباسكي (EAJ-PNV)
6. اليسار الجمهوري لكتالونيا (ERC)
وفي عام 1981 م حاولت مجموعة من قوات الأمن التمرد والإنقلاب على الديموقراطية الوليدة وتشكيل حكومة موالية للجيش ولكن الملك خوان كارلوس أحبط هذه المحاولة من خلال نفوذه الشخصي كملك للبلاد ومن خلال قيادته للقوات المسلحة , وقد ساعده على ذلك أن غالبية قطاعات الجيش لم تستجب لهذه المجموعة المتمردة .
وفي أكتوبر 1982 م فاز حزب العمال الإشتراكي الأسباني في أول انتخابات برلمانية حقيقية بقيادة "فيليب جونزاليز ماركيز" واستمر هذا الحزب في الحكم من خلال انتخابات حرة ونزيهة لمدة 13 عاما شهدت فيها أسبانيا تحولات إيجابية هائلة , حيث بدأ سن مجموعة من القوانين المنظمة لحركة المجتمع في كافة المجالات , وتشييد بنية تحتية قوية , ووضع برامج تعليمية جادة ومتطورة في كل مراحل التعليم , كما تم تطوير قطاعي الصحة والعمل , وتحررت التجارة بشكل كبير عبر قوانين سهلت الإستثمار كما سهلت التواصل مع حركة التجارة الأوروبية والعالمية , وتراجعت معدلات الفساد السياسي والإداري , وشعر الناس بأن التغيير يأتي لصالحهم ويغير حياتهم للأفضل فأصبحوا أكثر انتماءا وتعاونا وتجاوبا مع طموحات الحكومات المنتخبة منهم .
إذن فهي ثلاث عشرة سنة من العمل الحقيقي الجاد شهدت تحولا جذريا وهائلا في كل مناحي الحياة في أسبانيا , وأصبحت بعدها دولة حرة حديثة , وانتقلت من مصاف الدول النامية إلى الدول المتقدمة , وواكب هذا تحولا ثقافيا واجتماعيا حيث أصبح المجتمع أكثر انفتاحا وتواصلا مع العالم .
وعلى الرغم من كل هذه النجاحات التي حققها حزب العمال الإشتراكي الأسباني إلا أن الناخب الأسباني أراد مزيدا من التغيير فأعطى غالبية أصواته في مارس 1996 م لحزب الشعب بقيادة "جوزيه ماريا أزنار" , وقام الحزب بمزيد من الخطوات لتحرير الإقتصاد , حيث تبنى برنامجا طموحا ومنضبطا للخصخصة وإصلاح سوق العمل وتشجيع المنافسة في أسواق بعينها وخاصة في مجال الإتصالات . وفي تلك الفترة من حكم حزب الشعب تأهلت أسبانيا لتصبح عضوا في الإتحاد الأوروبي وتدخل في منظومة العملة الأوروبية الموحدة .
وكان لهذا التحول الديموقراطي أيضا أثرا في السياسة الخارجية لأسبانيا إذ استعادت دورها الخارجي من خلال مشاركتها مع حزب الناتوا في العمليات العسكرية المشتركة في يوغوسلافيا وصربيا والبوسنه وكوسوفا وأفغانستان والعراق .
وفي عام 2004 م فاز حزب العمال الإشتراكي الأسباني مرة أخرى بقيادة "زاباتيرو" , وتشكلت حكومة نصف عددها من الرجال والنصف الآخر من النساء . وفي هذه الفترة واصل الإقتصاد الأسباني نموه الضخم تواكبه قوانين اجتماعية وثقافية متطورة ودور سياسي فاعل .
ثاني أكبر دولة في العالم سياحيا :
أما السياحة فهي قصة أخرى تستحق الإعجاب حيث يزور أسبانيا كل عام خمسون مليون سائح (وتعداد أسبانيا أربعون مليونا) لتصبح أسبانيا الدولة الثانية في العالم من حيث عدد السائحين بعد فرنسا والتي يزورها خمسة وستون مليون سائح (لاحظ أن مصر يزورها سنويا في أحسن الأحوال ستة ملايين سائح على الرغم من وجود 40% من آثار العالم لدينا ووجود جو معتدل وشمس ساطعة أغلب شهور سنة – هذا قبل ظهور السحابة السوداء) .
وأسبانيا لاتملك الكثير من الآثار فغالبية آثارها تعود إلى الحقبة الإسلامية العربية , وأشهر تلك الآثار قص الحمراء في غرناطة , ومع هذا استطاعت توظيف ما تملكه لجذب كل هذه الأعداد الهائلة من السائحين كل عام .
والمرشدون السياحيون يعرفون تاريخ بلدهم جيدا , وحديثهم عن الفترة الإسلامية يتسم بصراع داخلي يبدو في كلماتهم , فهم يسمون تلك الفترة : "فترة السيطرة العربية على الأندلس" (Arabic Influence), وحديثهم عن انتهائها لا يخلو من شماتة وشعور بالإنتصار . وهم يدّعون في كثير من أحاديثهم أن الآثار الإسلامية والعربية شيدها مهندسون وعمال أسبان استلهموا الأنماط العربية السائدة في العمارة في ذلك الوقت ليرضوا أذواق الأمراء العرب الذين كانوا يحكمون أسبانيا في ذلك الوقت .
وفي منطقة الأندلس ترى آثارا مسيحية وآثارا إسلامية , كما ترى آثارا مختلطة حيث يمتزج الفن الإسلامي بالمسيحي فيما يعرف باسم "مودخا" .
ولا ترى في أسبانيا ما تراه هنا في مصر من متطفلين على السائحين يضايقونهم وىحاولون ابتزازهم أوخداعهم أو النصب عليهم , بل ترى مرشدين محترفين تابعين لمؤسسات سياحية محترمة .
الثقافة الأسبانية :
يعود الفضل في انتشار الثقافة الإسبانية إلى فترة التوسع الإسباني في القرون الأخيرة من الألفية السابقة. حيث يتكلم معظم سكان قارة أمريكا الجنوبية اللغة الإسبانية، جاعلين من الإسبانية أحد أكثر لغات العالم انتشارا. سطع نجم إسبانيا في الفن وخاصة الرسم من خلال الرسامين الإسبان: بابلو بيكاسو (Picasso)، سلفادور دالي (Dalí)، فرانسيسكو دي جويا (Goya) و غيرهم. كما أن الأدباء الإسبان كأمثال: ميجيل دي سيرفانتيس (de Cervantes) و روساليا دو كاسترو (do Castro) أضافوا الكثير للأدب العالمي . متحف ديل برادو في مدريد هو أحد أهم المتاحف على مستوى أوروبا إذ يحتضن العديد من الكنوز الفنية. الدوري الإسباني في كرة القدم هو الأشهر عالمياً لكثرة نجوم الكرة العالمية الذين يلعبوا ضمن صفوف الفرق الإسبانية.
وقد نجحت أسبانيا الحديثة في استثمار الإمتداد العرقي واللغوي لها في أمريكا الجنوبية حيث أن هناك 400 مليون يتحدثون اللغة الأسبانية في العالم وهؤلاء يشكلون امتدادا ثقافيا هائلا لهم يساعد في الإمتدادات السياسية والإقتصادية .
الإقتصاد الأسباني :
تحول الاقتصاد الإسباني من اقتصاد يعتمد بالدرجة الأولى على الزراعة إلى اقتصاد متنوع ذو أهمية في أوروبا خلال العقود الأخيرة. دخل الفرد مقارنة مع الناتج الإجمالي للدولة هو رابع أعلى دخل في أوروبا. ساهم الاتحاد الأوروبي، منذ دخول إسبانيا الاتحاد عام 1986، في تنمية الاقتصاد بشكل كبير. أهم الصناعات هي المنسوجات والمواد الغذائية والمعدنية والكيميائية والسيارات والسياحة. فرنسا و ألمانيا هم أكبر الشركاء التجاريين. أهم المنتجات الزراعية هي الشعير والخضروات والفاكهة والزيتون والعنب والشمندر السكري والحمضيات. تملك البلاد ثروة حيوانية و سمكية ضخمة.
وفي أسبانيا صناعة سيارات مذدهرة وصناعة أسلحة متطورة , وتكنولوجيا علمية هائلة خاصة في موضوع الدراسات الجينية .
ولم يكن مستغربًا، أن يبلغ الناتج الإجمالي لـ22 دولة عربية مجتمعة، يقطنها 280 مليونًا من العرب، 531 مليار دولار أمريكي بينما يبلغ الناتج لإسبانيا وحدها 595 مليار دولار بزيادة 64 مليار دولار مقارنة بالأمة العربية وعدد الإسبان سبع من أعداد العرب!!. إن سكان إسبانيا الذين يبلغ تعدادهم 40 مليونًا كانوا حتى بداية الثمانينات من القرن العشرين من بين أقل الدول نماءً في أوروبا الغربية، كما كان معظم السكان مزارعين فقراء. ودون تعامل مع الشعارات الرنانة بدأت إسبانيا صعودها الاقتصادي بعد الإصلاح السياسي والتحول الحقيقي من حكم الفرد الشمولي إلى الحياة الديموقراطية السليمة . وقد أعطى الأسبان اهتماما خاصا للتعليم , ففي عام 1900م كانت نسبة الأمية 60%، انكمشت لتصبح اليوم 3% لسن الخامسة عشرة فما فوقها. وامتلكوا 30 جامعة تضم أكثر من 700.000 طالب، يكدون لنيل معرفة عصرية وتقنية تقيم لبلادهم مكانة مرموقة بين الأمم . ودون ضجيج إعلامي زائف بلغ الناتج القومي عام 1985م (292) مليار دولار أمريكي، وتجاوز في عام 2000م (595) مليار، أي بزيادة (300) مليار دولار متجاوزًا الناتج العربي كله بأكثر من (60) مليار دولار.
الشعب :
الشعب الأسباني له خصائص شعوب جنوب البحر الأبيض المتوسط , فعلى الرغم من المسحة الأوروبية في اللون والملامح إلا أنه يحمل بعض الصفات التي هي خليط من العربية والإيطالية . وهو شعب باحث عن حقوقه ومنشغل بحياته , ويبدو غير ودود في أغلبه , وهناك حساسية ظاهرة في التعامل مع العرب بوجه خاص , وكأنها نتاج عقدة تاريخية لم تحل بعد , فعلى الرغم من مرور مئات السنين على خروج العرب والمسلمين قهرا من الأندلس فما زالت هناك مخاوف لدى الأسبان من عودتهم مرة أخرى , وربما يجعلنا هذا نفهم سر تمسك أسبانيا بسيطرتها على جزء من الساحل المغربي وعلى بعض الجزر في مضيق جبل طارق وفي المحيط الأطلنطي وكأنها تأخذ مسافات أمان بينها وبين العرب . وهم يعيشون فجوة تاريخية إذ يحاولون استبعاد ثمانمائة سنة من وعيهم التاريخي . والأسبان مثل باقي الأوروبيين لا يهتمون كثيرا بالأيديولوجيات بل يعمدون مباشرة إلى البراجماتية التي تيسر لهم حياة رغدة ونمو اقتصادي كبير , لذلك فهم حسيون ومقبلون على الحياة والمتع والرفاهة .
وهم مغرمون بأكل الخنزير , حيث توجد أعداد هائلة من أفخاذ الخنزير معلقة على واجهات المطاعم والسوبر ماركت واستراحات الطرق السريعة , ولا ينافس لحم الخنزير المعروض هناك إلا زجاجات الخمر في كل مكان . ويبدو أن أسبانيا تعتمد في جزء من اقتصادها على تصدير لحم الخنزير وعلى تصدير الخمور المستخرجة من العنب والذي يزرع بكميات كبيرة هناك .
ومن العجب أننا هنا في مصر مرعوبين من انفلونزا الخنازير على الرغم من القضاء على مزارع وحظائر الخنازير بالكامل , وهم هناك لا يعيشون هذه الحالة من الهلع الخنزيري على الرغم من وجود عدد أكبر من الحالات عندهم ووجود هذه الأعداد الهائلة من مزارع الخنازير .
تحويل المساجد إلى كنائس :
كثير من المساجد (إن لم يكن كلها) التي أنشئت في الحقبة الإسلامية في الأندلس قد تم تحويلها إلى كنائس , على الرغم من أن الكنائس هناك غالبا مهجورة لا يرتادها إلا عدد قليل من الناس . وتبدو عملية التشويه حيث استبدلت المآذن الإسلامية بأبراج يعلوها الصليب في مشهد يعكس ذلك الصراع الذي جرى على هذه الأرض والرغبة المحمومة في إخفاء آثار فترة تاريخية امتدت ثمانية قرون .
ولم أجد خلال إقامتي هناك مسجدا في أشبيلية وفي الأماكن التي تحركت فيها في غرناطة , وقد حاولنا الصلاة (الظهر والعصر) جمعا وقصرا فوجدنا صعوبة في ذلك إذ نصحنا المرشد السياحي بأن لا نصلي في أي مكان في قصر الحمراء ولم نفهم سر إصراره فحاول بعضنا أن يصلي في أحد أركان الحدائق الملحقة بالقصر ولكننا فوجئنا بالمرشد السياحي يطلب الأمن ليمنعنا من الصلاة وقد شرح لنا رجل الأمن سبب هذا المنع فقال بأنه يخشى علينا من المتطرفين الدينيين الذين لا يحتملون رؤية مسلم يصلي في مكان مفتوح وربما يصيبنا منهم سوءا لا يعرف أحد مداه .
وهناك فوبيا شديدة من الإسلام في أسبانيا ومشاعر سلبية تجاه العرب والمغرب العربي على وجه الخصوص , فهم يبدون حساسية شديدة حين يتذكرون أنهم كانوا تحت السيطرة العربية في يوم من الأيام . وتعبير السيطرة هنا أستخدمه لأنه هو الشائع على ألسنة المرشدين السائحين هناك فهم لا يقولون فتحا إسلاميا أو غزوا أو احتلالا وإنما يفضلون كلمة سيطرة . وعلى الرغم من وجود حوالي ثلاثون ألف مسلم في غرناطة إلا أن الزائر لا يرى مظاهر تدل على وجودهم هناك . وهذا يعكس الموقف شديد التعصب تجاه الإسلام والمسلمين والعرب والذي أدى إلى استبعادهم من أسبانيا بشكل يسميه القانون الدولي الحديث "تطهيرا عرقيا" .
بين الفلامنكو والرقص الشرقي :
كلمة الفلامنكو يحتمل أن يكون معناها الفلاح المنكوب , وحسب "بلاس إنفانتي" فإن مصطلح فلامنكو يرجع إلى (fallah mengo = فلاح منجو) وهم الفلاحين الموريسكيون (المسلمون واليهود المضطهدون من السلطات الأسبانية ) الذين أصبحوا بلا أرض ، فإندمجوا مع الغجر وأسسو ما يسمى بالفلامنكو كمظهر من مظاهر الألم التي يشعر بها الناس بعد إبادة ثقافتهم . والبعض يربط اسم هذه الموسيقى بطائر النحام الوردي. إذن فقد ولد فن الفلامنكو كتعبير للمضطهدين والمسحوقين , ففي سنة 1492م سن الملك فرنارد وملكته إيزابيلا قانونا جديدا ينص على أن كل سكان مملكة إسبانيا لابد وأن يعتنقوا المسيحية الكاثوليكية , وبالتالي على المسلمين واليهود والغجر والمسيحيين غير الكاثوليك التحول للدين الكاثوليكي . وكانت عقوبة الرفض للكاثوليكية هي الرمى بالطلق الناري حتى الموت. الكثير من المضطهدين هربوا إلى مدينة غرناطة قبل أن تسقط في أيدي الأسبان المتعصبين .وهناك اجتمعوا خائفين ينتظرون هجوما وشيكا من فرنارد وزجته إيزابيلا وبدأوا يعبرون عن مشاعرهم برقص وغناء الفلامنكو , ومن هنا جاء هذا الفن مركبا ومكثفا وحزينا في أغلبه , وقويا ومليئا بالمعنى والإصرار في ذات الوقت .الفلامنكو يتكون من عناصر أساسية هي :
1 - الغناء: ويتميز غناء الفلامنكو بالنغمات الحزينة المأساوية وصرخات تكاد تشبه العويل .
2 - الجيتار: وظيفة الجيتار هو مصاحبة أصوات المغني وحركات الراقص .
3 - الرقص: ووظيفة الراقص (أو الراقصة) أن يعبر عن المشاعر التي في الأغنية من خلال حركات الجسد. والراقص هو الذي يتحكم بسرعة الإيقاع عن طريق سرعة خطوات الرجل.
والمغني وعازف الجيتار يحاولون تتبع الراقص وليس العكس. ويتميز رقص الفلامنكو بالدقات القوية والمتسارعة التي يصدرها الراقص عن طريق خبط الأرجل بأرضية المسرح ومن هنا تكمن صعوبة رقص الفلامنكو لأن الراقص لا يرقص فحسب بل هو الذي يتحكم بالإيقاع ويصدر جزء مهم من الموسيقي برجله أثناء الرقص. إذا على الراقص أن يكون موسيقي بارع ولا يكفي أن يعرف الحركات فقط.
4 – المصفقين , وهم عنصر هام في عروض الفلامنكو , والتصفيق المصاحب للفلامنكو له قوانين معينة يجب الإلتزام بها , فالمصفقين يعطون الدعم للراقص في تحديد النغم عبر تصفيقات متتابعة وسريعة وقوية بنفس قوة طرقات الأقدام على المسرح . ورقصات الفلامنكو التقليدية تتم في أغلبها بشكل حي وتلقائي غير مفتعل , حيث تلتقي العناصر الأربعة , وينتج عن هذا اللقاء تلك الحركات والأصوات السحرية دون سابق تخطيط .
بعد أن ولدت بذرة الفلامنكو في مدينة غرناطة إنتقل إلى مدينة هريز في جنوب إسبانيا وهريز كان إسمها شريش أيام الحكم الإسلامي. وهناك نمي هذا الفن وتطور , ثم نقله الغجر أثناء تنقلاتهم في أنحاء جنوب إسبانيا إلى مدن أخرى ومنها مدينة إشبيلية. واليوم تعتبر شريش وإشبيليا وغرناطة من أهم مراكز الفلامنكو.
في بدايته كان الفلامنكو يعتبر فن محتقر وغير راقي لأن معظم الذين كانو يقومون به هم الغجر الفقراء في الشوارع مقابل القليل من المال يرميها لهم المارة, ولكن مع الوقت أصبح الفلامنكو من الفنون الشعبية الراقية التي تميز أسبانيا وتعرض على أفخم المسارح .
ذهبنا لتناول العشاء في أحد صالات الفلامنكو , وبدأ العرض بمجموعة من الفتيان والفتيات يضربن بأرجلهن بقوة وعنف وإيقاع مؤثر مع حركات شديدة الرمزية والإيحاء , ثم ينفصل الجمع ويحدث رقص تناوبي فردي أو ثنائي يفصله تجوال لأحد الراقصين كالطاووس ثم تنتشر المجموعة محيطة براقص أو راقصة (تبادل الرقص والراقصين بشكل تناوبي وانسيابي ذكرني بتبادل السلطة في سهولة ويسر). وهو فن جميل يجمع بين القوة والجمال والإلتزام والإنضباط والمعنى وليس فيه ميل للتعري بل تلبس الراقصات غالبا ثيابا طويلة , وليس فيه مخاطبة للغرائز بل يخاطب مستويات متعددة من الوعي الإنساني في تناوب انسيابي رائع . وهو يمزج بين الفردية والجماعية ويعطي لكل راقص وراقصة فرصة متساوية للتعبير وتظهر الفروق الفردية واضحة جلية ثم تندمج القدرات الفردية في سيمفونية جماعية متناغمة , وهكذا ذهابا وإيابا . وأكثر ما يميز رقصات الفلامنكو الجدية الشديدة , إذ يبدو الراقص أو الراقصة في حالة تركيز شديد ويؤدي الحركات بقوة وإتقان وتفان , وكل رقصة بها من الرمزية والغموض ما يتيح الفرصةلإسقاطات واستنباطات عديدة تستكشف مستويات النفس وجنباتها .
ان هذا النوع من الرقص فيه قوه وتعبير وكبرياء واحساس وجمال اللحن إضافة إلى أنه بعيد عن التمايل الإغوائي للأجساد وبعيداً عن هز الخصر بالتحديد كالرقص الشرقي . وعلى عكس الرقص الشرقي الذي يظهر الراقصة كمسلية وممتعة للمشاهد فإن راقصة الفلامنكو تعبر عن كبرياء وعنفوان ضد الظلم ، وتعتمد على حركة الأطراف أي حركة الأيدي والأرجل وهذه الحركة لا تتجة نحو الهدوء والرومانسية بقدر ما تتجة نحو التصعيد الحركي النشط والمتناوب والمفاجئ أحيانا . وحركات الراقصين تبدوا احياناً كأنها حركة ذاتية غريزية لا تنتظر أوامرها من الدماغ , حركة بدائية من طبقات المخ الأقدم يتبعها حركات تتصاعد في رقيها عبر مستويات النفس حتى لتصل إلى مستويات روحية غاية في السمو . وهوس موسيقى الفلامنكو يتصاعد تدريجياً وهو ينتشر في جميع أنحاء العالم بعد انتهاء الديكتاتورية السياسية والثقافية بعد رحيل الجنرال فرانشيسكو فرانكو عام 1975 م .
ولو قارنا هذا بالرقص الشرقي فربما نصل إلى فروق بين الشعوب لها دلالاتها السلوكية , ففي الرقص الشرقي تقوم راقصة واحدة غالبا بالرقص الشرقي تتركز عليها وحدها الأضواء بشكل نرجسي طول الوقت , فليس فيه روح الجماعية , وتعتمد الراقصة في الأغلب على أداء فني يبرز مفاتن جسدها , وعلى الرغم من الإيقاع والحركات الإنسيابية (والتي لا تخلو من إغواء متعمد أوغير متعمد) إلا أن الرقص الشرقي يخلو من المعنى العميق , فهو أقرب إلى الفن الترفيهي الإستمتاعي الفردي النرجسي .
ويعود التساؤل حول سر انتشار مصارعة الثيران ورقصات الفلامنكو في أسبانيا , وكلاهما يجمعهما جمال الحركة وعنفها ومخاطرها وجديتها ... بينما ينتشر في بلادنا العربية رقصا شرقيا استمتاعيا منفردا ؟؟!!.
الشوارع والطرق :
والشوارع دائما نظيفة , والحركة فيها سلسة حتى ولو كانت ضيقة , ولا توجد اختناقات مرورية , ولا ترى رجل مرور في الشارع في الأحوال العادية ولكن إذا وقع حادث تجدهم يظهرون فورا وكأنما انشقت الأرض وخرجوا منها .والطرق مرصوفة رصفا جيدا (كسائر بلاد أوروبا) وعليها كل علامات الإرشاد ومزودة بكل متطلبات الأمن والسلامة , ولا توجد كمائن مرورية تضيق على الناس الطريق أو تخنق سيولة المرور , ولا يوجد عساكر مرور أو أمناء شرطة يبتزون سائقي الحافلات , والإشارات هناك يحترمها سائقوا السيارات والمشاة على السواء .ولا تسمع كلاكس سيارة ولا ترى وقوفا في الممنوع ولا تعاني انسدادات مرورية .
ولا ترى في الشوارع أو الميادين أي صور للزعماء أو السياسيين , ولا ترى إعلانات جدارية عن إنجازات الحكومة الأسبانية .
وقد زرنا حي اليهود في مدينة أشبيلية , وقد هجره اليهود أو بالأصح طردوا منه حيث شملتهم عمليات التطهير العرقي التي جرت بعد سقوط الأندلس في أيدي الجيوش الأوروبية المدعومة والموجهة من الكنيسة الكاثوليكية . والحي يميزه شوارعه الضيقة وبيوته الأثرية , وهو يقترب من النموذج المعماري العربي .
والطريق من أشبيلية إلى غرناطة غاية في الروعة النظام والإنضباط إذ لا يوجد فيه خطأ تقع عليه العين , والمرور عليه غاية في السيولة والسهولة واليسر .
كراكيب مصرية :
ونعود إلى أرض الوطن لنجد أزمة النقاب مازالت مشتعلة , وإجراءات الحماية من انفلونزا الخنازير وانفلونزا العصافير وانفلونزا الحمير تشغل الجميع عن سائر أمور حياتهم , والمدارس تعيش حالة طوارئ خادعة تنهي ما تبقى فيها من تعليم لحساب حماية النشء من وباء متوقع أو متوهم , والناس مرهقة في تدبير أموال الدروس الخصوصية ومصروفات التعليم الذي لا يغير شيئا في الناس ولا في حياتهم وينتهي بشهادة ورقية لا قيمة لها في سوق العمل , ولعبة التلفيق والتزوير على أشدها , والناس في ذهول , وبعضهم تسلل إلى الماضي باحثا عن عز قديم أو حل قديم لمشكلات مستحدثة , وقد غاب الحلم وضعف الخيال , وابتعد المستقبل أو اختفى , وأصبحت الرؤية ضبابية ومساحات المجهول تتسع وتتسع ثم تمتلئ بكل ماهو خرافي وسحري , وكمائن المرور تخنق الشوارع والطرق المخنوقة باحثة عن مجرمي الشعب , وتقلصت الأهداف الإستراتيجية وأصبح غاية منانا التخلص من القمامة التي تملأ شوارعنا ونفوسنا .
فالوطن الذي كان يوما جميلا يتحول إلى كراكيب بشرية وكراكيب سياسية واجتماعية وأخلاقية توازي تلك الكراكيب الموجودة بكثرة ملفتة للنظر فوق أسطح منازلنا , وهي ظاهرة ننفرد بها على شعوب العالم وربما تكون نوعا من عدم الأمان يجعلنا نحتفظ بالكراكيب عسى أن تنفعنا في أيام مقبلة .
وأحاول أن أنسى ما رأيته وسمعته في بلاد صرعت ثور الإستبداد وثور الفقر وثور الخوف ومارست رقصا تناوبيا على مسرح الحياة , وأتفرغ لمتابعة فعاليات مؤتمر الحزب الوطني السادس أو السابع أو المائة (لا فرق) لأرى ذلك الإجترار القومي الوطني الديموقراطي الجماهيري الشعبي العبثي يتكرر منذ ثلاثين عاما مع فارق بسيط يتلخص في تغيير الأقنعة وتغيير مواقع الممثلين وصبغ شعورهم .
دكتور / محمد المهدي
الخميس, 19 نوفمبر, 2009
تحمست لزيارة أسبانيا بعد أن قرأت تقريرا صحفيا (وهو منشور أيضا على كثير من المواقع الإلكترونية) يفيد بأن إجمالي الناتج القومي الأسباني يفوق إجمالي الناتج القومي للدول العربية مجتمعة بما فيها الدول البترولية , وأن هذا النمو الإقتصادي المذهل قد حدث في فترة لا تزيد عن 27 سنة منذ بدأ التحول الديموقراطي بها عام 1982م (بعد سنوات قليلة من موت الدكتاتور العسكري فرانكو). ولم تكن أسبانيا قبل هذا تمثل لي غير بؤرة مؤلمة في الوعي تحوي ذكريات دولة الأندلس الرائعة التي كانت بمثابة قنطرة عبرت عليها عصارة الحضارات الشرقية والعربية والإسلامية إلى أوروبا , ثم اقتلاع هذه الدولة (بكل ثقافتها وعلومها وآثارها) بشكل عنصري بغيض تحت إدارة محاكم التفتيش التي مارست أبشع أنواع التعذيب في التاريخ البشري وساهمت في واحدة من أكبر حملات التطهير العرقي حيث لم يتفوق عليها إلا التطهير العرقي الذي مارسه المهاجرون الأوروبيون في أمريكا ضد الهنود الحمر (أصحاب الأرض الأصليين) .
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











من مصر
اسلوب اكثر من الرائع
الى الامام